الانتخابات الرئاسية وآفاق المشهد السياسي في تشاد

مركز الإمارات للسياسات | 11 أبريل 2021

ترشح الرئيس إدريس ديبي للانتخابات الرئاسية المقررة في 11 أبريل 2021 من أجل نيل ولاية سادسة، في مسعىً للاحتفاظ بالحكم الذي استمر فيه طوال ثلاثين عاماً منذ وصوله إليه عن طريق الانقلاب العسكري عام 1990، وفي ظل ما تشهده البلاد من أزمات سياسية وأمنية واقتصادية مستفحلة.

تتناول هذه الورقة سياق الانتخابات الرئاسية في تشاد، وتحاول استشراف آفاق المشهد السياسي في هذا البلد الأفريقي.

السياق السياسي للانتخابات الرئاسية في تشاد

تُعد الانتخابات الرئاسية المقبلة محطةً مهمة في المسار السياسي لدولة تشاد باعتبارها أول انتخابات تُنظم بعد الإصلاحات الدستورية التي أقرها البرلمان في بداية ديسمبر 2020. ووفق الإصلاحات الأخيرة تم حذف وظيفة رئيس الحكومة، واستُبدلت بمنصب نائب رئيس يعينه الرئيس، كما تم إقرار برلمان بغرفتين يضم مجلساً نيابياً ومجلساً للشيوخ يُنتخب أعضاؤه بالاقتراع غير المباشر. ومن هذه الإصلاحات الدستورية حصر ولاية الرئيس في مدتين من 6 سنوات لكل مدة، بما يعني إمكانية بقاء إدريس ديبي في السلطة لمدة 12 سنة مقبلة.

تُجرى الانتخابات في سياق سياسي متأزم تعكسه المقاطعة الواسعة للانتخابات من أبرز رموز المعارضة، مع بروز مؤشرات على تزايد نشاط الجماعات المتمردة النشطة على الحدود الليبية-السودانية، والحركات الإرهابية العنيفة التي تفاقم خطرها في كل منطقة الساحل الأفريقي. ومع أن 17 شخصية سياسية قدمت ملفات ترشيحها للانتخابات، وأقر المجلس الدستوري ترشيح عشرة فقط، إلا أن الوجوه البارزة في المعارضة بدأت حملةً نشطة لمقاطعة الانتخابات، وأعلنت عن سحب ترشيحها، وهي:

  • صالح كبزابو: رئيس حزب الاتحاد الوطني من أجل التنمية والتجديد، ووزير الخارجية الأسبق، والزعيم الأبرز للمعارضة السياسية التشادية، وقد احتفظ دوماً بالمركز الثاني في الانتخابات الرئاسية التعددية التي نُظمت في تشاد.
  • تيوفيل بونغورو: رئيس حزب التجمع والإنصاف، المنفصل عن الاتحاد الوطني من أجل التنمية والتجديد. حظي بدعم تحالف واسع من الأحزاب والمنظمات السياسية باسم "تحالف النصر"، من أجل الترشح للرئاسيات، لكنه عدل عن التقدم للانتخابات وأصبح يدعو إلى المقاطعة.
  • نغاريلجي يورونجار: نائب برلماني ومرشح سابق للرئاسات ورئيس تكتل "الاتحاد من أجل الجمهورية"، تعرض للسجن والملاحقة مرات عديدة.

كما أن سيكسي ماسرا، زعيم حركة "دعاة التغيير" النشطة في الأوساط الشبابية، دعا إلى مقاطعة الانتخابات، مُعتبراً أنها تفتقر إلى الشفافية والنزاهة.

ويُذكر أن تشاد قبيل الانتخابات شهدت حدثاً عزز موقف المعارضة في مقاطعة الانتخابات، ففي 27 فبراير جرت محاولة لاعتقال المعارض يحيى ديلو، وهو وزير سابق ومستشار سابق لرئيس الجمهورية وجه انتقادات بالفساد لزوجة الرئيس هندة ديبي التي تُدير الجمعية الخيرية "القلب الكبير"، ونجم عن المحاولة الأمنية قتل عدة أشخاص من بينهم والدته، إلا أنه نجح في الهروب والاختفاء. ورغم تقدمه للسباق الرئاسي، إلا أنه لا يزال مختفياً ينشر تصريحات متكررة للصحافة عبر وسائل التواصل الاجتماعي يتهجم فيها على الرئيس ديبي ووسطه الأسري المباشر. وقد ولدت حادثة مهاجمة منزل المعارض ديلو ردود فعل دولية واسعة من بينها تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ووزارة الخارجية الفرنسية، دعت كلها إلى التحقيق في الملف وحله بالطرق القانونية السلمية. وقد استند الزعماء المقاطعون للانتخابات لهذه الحادثة في تبريرهم لقرار الحملة النشطة ضد المشاركة في الاقتراع الرئاسي. في حين ترشحت للانتخابات شخصيات محدودة الوزن والتأثير، من بينها: روماندونغار نيابيه فليكس، زعيم "اتحاد الديمقراطيين من أجل التنمية والتقدم"، ورئيس الحكومة السابق باهيمي باداكي ألبير.

ومن الواضح أن الأزمة السياسية ترتبط عضوياً بالأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد منذ تراجع أسعار النفط الذي يشكل 90 في المئة من صادرات الدولة (بلغ الإنتاج 45 مليون برميل عام 2019). فبعد مرحلة من الانتعاش في بداية الثمانينيات اقترب فيها زيادة الدخل القومي من 20 ضعف المعدل الأصلي قبل بداية استغلال النفط عام 2002، توقفت المشاريع الاستثمارية الكبرى، وعجزت الدولة عن أداء خدمة الدَّين، وقلصت رواتب الموظفين، وتفاقمت الأزمة الاجتماعية الى مستويات خطيرة.

ومع استفحال الوضع الأمني الليبي زاد نشاط حركة التمرد العسكري ممثلة بـ"اتحاد قوى المقاومة" (وهو تكتل من عدة تنظيمات مسلحة)، التي يتزعمها تيمان أرديمي، وهو من عائلة الرئيس ديبي ومدير ديوانه سابقاً ومدير شركة القطن التشادية سابقاً، وقد انفصل عن النظام مع شقيقه التوأم عام 2006، وكاد يستولي على الحكم عام 2008. وهو يقيم حالياً في قطر، وله قواعد متمركزة في جنوب ليبيا وفي منطقة دارفور السودانية أغلبها من قبيلته الزغاوة.

هذه الأزمة ذات الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية هي السياق الذي تُجرى فيه الانتخابات الرئاسية التشادية، التي يُنظر إليها باهتمام في كل منطقة الساحل الأفريقي، حيث يضطلع الجيش التشادي بالجانب الأوفر من مهمة محاربة الجماعات الإرهابية، ومن هنا يأتي الدعم الفرنسي القوي والدائم للرئيس إدريس ديبي.

آفاق المشهد السياسي في تشاد

يبدو أن الاحتمال الأوحد المطروح هو فوز الرئيس إدريس ديبي في انتخابات 11 أبريل 2021، في الجولة الأولى من الاقتراع على غرار فوزه في الانتخابات السابقة (1996، و2001، و2006، و2011، و2016). ومن المؤكد أن الرئيس ديبي يحتفظ منذ وصوله للسلطة عام 1990 بكل آليات الحكم التي تتمحور حول المؤسسة العسكرية ونظام الولاءات القبلية والإثنية الذي يديره من خلال الحزب الحاكم "الحركة الوطنية للإنقاذ". ويقوم نظام الحكم في تشاد على الدور المحوري لعائلة الرئيس ومحيطه القبلي في الأجهزة الأمنية والسياسية والوحدات العسكرية، بما يؤهله للاستمرار في السلطة في مواجهة العسكرة الدائمة للصراع السياسي التي طبعت السياق التشادي منذ الانقلاب العسكري عام 1975 ضد الرئيس فرانسوا تمبولباي.

وعلى الرغم من الفوز المؤكد لإدريس ديبي في الانتخابات المقبلة التي يتحكم في كل أوراقها، إلا أن موضوع انتقال السلطة بعد 30 عاماً من الحكم أصبح مطروحاً اليوم في تشاد، وفي هذا الصدد يمكن استخلاص السيناريوهات الآتية:

  1. سيناريو التوريث العائلي: من الواضح أن النظام السياسي في تشاد تحوّل تحت وطأة الأزمات السياسية الحادة وحركات التمرد العسكري إلى نظام أمني يتحكم فيه المحيط الأسري المباشر للرئيس ديبي، بما زاد النقمة عليه داخلياً وإن كانت المعارضة ضعيفة وممزقة، والنظام يستفيد بقوة من الدعم الخارجي، الفرنسي بالخصوص، في إطار الحرب المعلنة ضد جماعات الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي. ومع أنه لا توجد عوائق دستورية تمنع الرئيس ديبي للترشح عام 2027، إلا أن الاعتقاد يسود في دوائر السلطة في تشاد أنه قد يرشح أحد أبنائه الثلاثة (عبد الكريم، أو محمد، أو زكريا) لخلافته.
  2. سيناريو التغيير عن طريق الانقلاب العسكري، وهو الخيار المتكرر في تشاد منذ السبعينيات، وهو الذي أوصل الرؤساء السابقين للسلطة (غوكوني ودي وحسين هبري)، فضلاً عن الرئيس ديبي نفسه. وقد استطاعت حركة التمرد العسكري التي ينحدر عددٌ من زعامتها من قبيلة الزغاوة المحاربة، التي ينتمي إليها الرئيس نفسه، الوصول إلى العاصمة إنجامينا وتهديد نظام الحكم لمرتين (2008 و2009). وقد يتحقق هذا السيناريو في حال تفاقُم الأزمة الأمنية والسياسية وتخلي فرنسا عن حليفها الأهم في الساحل الأفريقي. ومع أن الرئيس ديبي هدد في السنة الماضية بالتخلي عن سياسة التدخل العسكري خارج حدود بلاده من أجل التركيز على مواجهة الخطر الإرهابي في حوض نهر تشاد، إلا أن هذا التصريح كان مجرد مناورة لكسب مزيد من الدعم المالي والعسكري الفرنسي والأوروبي، وقد قرر في قمة الساحل وفرنسا المنعقدة في فبراير 2021 بعث وحدة من 1200 جندي تشادي إلى الحدود المشتركة بين مالي بوركينا فاسو والنيجر التي يتركز فيها التهديد الإرهابي. وقد نظرت فرنسا بارتياح واسع إلى هذا القرار.
  3. سيناريو الاحتراب الأهلي، الذي له جذوره القوية في تركيبة البلد الإثنية والدينية، والصراع التاريخي بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي، بما يشبه الوضع الحالي في دولة وسط أفريقيا المجاورة، ووضع منطقة دارفور وثيقة الصلة بتشاد.

خلاصة

  • ترشح الرئيس إدريس ديبي للانتخابات الرئاسية المقررة في 11 أبريل 2021 من أجل نيل ولاية سادسة، في حين تُجرى الانتخابات في سياق سياسي متأزم تعكسه المقاطعة الواسعة للانتخابات من أبرز رموز المعارضة، وما تشهده البلاد من أزمة اقتصادية-اجتماعية خطيرة، ونشاط الجماعات المتمردة النشطة على الحدود الليبية-السودانية، فضلاً عن تفاقم الحركات الإرهابية العنيفة.
  • بالرغم من الفوز المؤكد للرئيس ديبي في الانتخابات التي يتحكم في كل أوراقها، إلا أن موضوع انتقال السلطة بعد 30 عاماً من الحكم أصبح مطروحاً اليوم في تشاد، وفي هذا الصدد هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة: سيناريو التوريث العائلي، وسيناريو التغيير عن طريق الانقلاب العسكري، وسيناريو الاحتراب الأهلي.

أحدث الإيجازات