جاءت مبادرة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي للحوار الوطني، والتي أطلقها في الثامن من شهر مارس 2021، كمحاولة لاستثمار الأجواء الإيجابية التي تركتها زيارة بابا الفاتيكان في البلاد، ولتمهيد الأرضية المناسبة للانتخابات العامة المقررة في أكتوبر المقبل، لكن المبادرة أثارت تبايناً واضحاً في ردود فعل الأطراف العراقية المختلفة.

تُسلِّط هذه الورقة الضوء على مضمون المبادرة، وفرص نجاحها، وأثرها في الأوضاع العامة في البلاد، والانتخابات المبكرة على وجه الخصوص.

مضمون المبادرة

في خطاب متلفز للكاظمي، بمناسبة ختام زيارة بابا الفاتيكان إلى العراق، ذكر أن مبادرة "الحوار الوطني" تخصّ "المختلفين من قوى سياسية وفعاليات شعبية وشبابية احتجاجية ومعارضي الحكومة"، ودعاهم إلى الجلوس إلى "طاولة الحوار المسؤول أمام الشعب والتاريخ". والهدف من الحوار وفق المبادرة هو "تغليب مصلحة الوطن والابتعاد عن لغة الخطاب المتشنج والتسقيط السياسي، والتهيئة لإنجاح الانتخابات المبكرة، ومنح الشعب فرصة الأمل والثقة بالدولة وبالنظام الديمقراطي"، وأشار الكاظمي أيضاً إلى أن "فكرة الحوار الوطني يمكن أن تسهم أيضاً في حل كل الأزمات ما بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان".

وأهم الملفات التي ستُطرح على طاولة الحوار، بحسب مصادر مقربة من الكاظمي، هي:

  • مناقشة آليات وسبل حصر السلاح بيد الدولة، ووقْف الهجمات الصاروخية على القوات الأجنبية، وفسْح المجال أمام الحكومة للقيام بواجباتها الأمنية دون تدخلات من قبل الميليشيات المسلحة، لاسيما في المناطق المحررة من "داعش".
  • الوجود العسكري الأجنبي في البلاد، ومناقشة الحوار مع الجانب الأمريكي لتثبيت جدولة الانسحاب وفقًا لحاجة القوات العراقية وتطورها، ومحاولة حسم مشكلة "حزب العمال الكردستاني" (PKK) لمنع التدخلات التركية في شمال العراق.
  • محاولة الاتفاق على خطوط عريضة لسياسة البلاد الخارجية، وتطويرها مع دول العالم والمنطقة.
  • ملف الانتخابات، وما تحتاجه من توافقات سياسية تتعلق بموعد حلّ البرلمان، والاتفاق على تقسيم الدوائر الانتخابية، والإشراف الأممي على عملية الاقتراع.
  • بحث تداعيات الأزمة الاقتصادية، وخطوات الإصلاحين المالي والتنظيمي اللذين طرحتهما الحكومة.
  • المشاكل العالقة بين بغداد وإقليم كردستان، وإمكانية إيجاد حلول نهائية لها.

ولم تحدد الحكومة حتى الآن مواعيد جلسات الحوار وعددها، وطريقة المشاركة فيها، وعلى ما يبدو فإنها طَرَحَت الفكرة للنقاش العام في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي لمراقبة ردود الفعل الشعبية والرسمية، ليتم لاحقاً تحديد الملفات المطروحة للنقاش بصورة رسمية، وقد تَستثني الأطراف التي هاجمت المبادرة وشككت في نواياها.

مواقف الأطراف العراقية

  • كان زعيم تيار "الحكمة" عمّار الحكيم أول الداعمين لدعوة الكاظمي، وقال في تغريدة على موقع "تويتر": "نؤكد أن الفرصة سانحة والأجواء مهيَّأة للمضي بهذا الحوار، ونجدد المطالبة بانخراط جميع القوى السياسية والفعاليات الاجتماعية والأكاديمية بحوار يستوعب جميع الرؤى والأفكار البنّاءة لمعالجة الإخفاقات وتقويم السلبيات".
  • أيَّد مقتدى الصدر فكرة الحوار بين الفرقاء السياسيين في البلاد، لكنه اشترط أن يكون تحت الإشراف الأممي، وقال في بيان إن "الجميع مُطالَب بتفعيل الحوار الإصلاحي بين كل الفرقاء، بمن فيهم الجيل الشبابي الاحتجاجي".
  • رحَّب رئيس إقليم كردستان نيجرفان بارزاني أيضاً بمبادرة الحوار، وأكد أن الأكراد على استعداد تام للوصول إلى اتفاقات نهائية للخلافات السياسية بين أربيل وبغداد.
  • دعا الأمين العام لحركة "المشروع العربي" خميس الخنجر إلى أن يكون الحوار الذي دعا إليه الكاظمي "شجاعاً وبعيداً عن منطق الثأر والانتقام"، وقال في تغريدة "ندعم الحوار الوطني الذي دعا إليه الكاظمي، ونتضامن مع جميع المساعي التي تحاول إنقاذ العراق من الوضع الصعب".
  • في المقابل، أبدت الكتل السياسية الشيعية القريبة من إيران تحفّظها على دعوة الكاظمي للحوار الوطني، ووضعت الشروط المسبقة، ومن بينها إخراج القوات الأجنبية من البلاد أولاً، مثلما جاء في بيان لتحالف "الفتح" الذي يتزعمه هادي العامري، كما استبعد بعض نواب التحالف، ومن بينهم النائب مختار الموسوي، أن يتمكن الكاظمي من تنظيم ذلك الحوار بسبب "صعوبة تقديم التنازلات الكبيرة التي ينبغي أن تقدمها الكتل السياسية"، بحسب تعبيره.
  • شكَّك ائتلاف "دولة القانون" بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي بجدوى مبادرة الكاظمي، وقال النائب عن الائتلاف حسين المالكي إن "دعوات رؤساء الحكومات السابقة للمصالحة جميعها لاقت ترحيب الكتل السياسية، لكن التساؤل هل ستنجح خطوة الكاظمي هذه؟ لذلك نعتقد أن شرط النجاح هو تكاتف القوى السياسية لإنجاح المبادرة، والوقوف خلف رئيس الوزراء".
  • وبطبيعة الحال تباينت مواقف القوى "التشرينية"، التي تمثل الاحتجاجات الشعبية، من المبادرة، بين مَن رفضها بشكل قاطع وبين مَن وضع شروطاً للانخراط فيها، ومن بينها أن تُخصص لمناقشة الانتخابات المبكرة، وتوفير الأجواء الامنية المناسبة لإجرائها وضمان نزاهتها.

الأهداف المرجوة من المبادرة

يسعى رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، بحسب خطاباته الأخيرة، إلى وضع أسس عامة لبناء الدولة لاعتقاده بوجود خلل بنيوي في النظام السياسي منذ عام 2003، أدى إلى ضعف أجهزة ومؤسسات الدولة وفشلها في تحقيق التطور الاقتصادي والسياسي والأمني. وبما أن الكاظمي يعتقد بأن حكومته تحمل تطلعات حراك "تشرين" فإنه يسعى إلى تحقيق ذلك التغيير بالطرق الممكنة، ومنها الحوار الشامل حتى مع الأطراف التي كانت السبب وراء خروج التظاهرات والاحتجاج، ذلك أنها قوى سياسية كبيرة ومؤثِّرة ولن تختفي بسهولة من المشهد السياسي حتى بعد الانتخابات المقبلة، وعليه يريد للحوار أن يكون فرصةً قد تكون الأخيرة لمراجعة أخطاء الماضي والاتفاق على صيغ جديدة للعمل السياسي في ظل المتغيرات الكبيرة التي تشهدها المنطقة.

ولا يضع الكاظمي، أو غيره من الشخصيات التي قررت المشاركة في الحوار، سقفاً عالياً للنتائج المتوقعة من المبادرة، لكن المشاركة في الحوار الوطني تَعني الاعتراف الضمني بحاجة البلاد إلى عقد سياسي جديد، ربما تعجز القوى السياسية عن تحقيقه بواسطة آليات تعديل الدستور الجامدة، لكنها قادرة على الاتفاق على أسس عامة تكون قاعدةً لحوار آخر بعد الانتخابات، ومنها الاتفاق على اتخاذ قرارات صعبة لتحسين الاقتصاد العراقي والتي جاءت بعضها في "الورقة البيضاء" التي طرحها الكاظمي في أكتوبر 2020 لإصلاح الاقتصاد، والاتفاق على حصر السلاح بيد الدولة بعيداً عن تسميات "المقاومة" و"الجهاد"، وضبْط سلاح "الحشد الشعبي"، ووقف حملات التحريض والابتعاد عن خطاب العنف والكراهية، وإعلان الحياد الحقيقي في الصراع الدائر بين واشنطن وطهران، ورفض أي ممارسات لهذا الصراع داخل الأراضي العراقية. وأخيراً الاعتراف الرسمي بقوى "تشرين" بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مؤثراً، والتحاور معها وإشراكها في الحوارات.

المعوقات المحتملة أمام المبادرة

  • الشروط المسبقة التي تضعها الأطراف المختلفة، خصوصاً تلك الموالية لإيران، وقد تمارس ضغوطاً كبيرة على الكاظمي لتأجيل أو إلغاء مبادرة الحوار الوطني.
  • مُقاطعة بعض القوى السياسية لجلسات الحوار الوطني، مثل القوى الشيعية المتطرفة والقوى "التشرينية"، وتحوُّل الحوار إلى اجتماعات للقوى المساندة للحكومة، مثل التيار الصدري وكتلة عمار الحكيم وائتلاف "النصر" بزعامة حيدر العبادي.
  • ضيق الوقت؛ فالموعد المفترض للانتخابات المبكرة هو شهر أكتوبر المقبل، والملفات المطروحة للنقاش تحتاج إلى وقت طويل قبل أن يتم التوافق بشأنها، كما أن بعض الأطراف العراقية تطالب بطرح مواضيع كثيرة أخرى قد تَفشل الأطراف المتحاورة في مناقشتها.
  • السخط الشعبي من الطبقة الحاكمة؛ فمعظم ردود الفعل الشعبية، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، كانت تستنكر الحوار بين القوى التقليدية، وأغلب التعليقات على مبادرة الحوار كانت يائسة ولا تتوقع أي نتائج إيجابية منها لصالح البلاد.
  • غياب الضمانات؛ فكل المؤتمرات والحوارات التي جرت منذ عام 2006 وخُصصت للمصالحة أو للاتفاقات "الوطنية" فشلت في إلزام الأطراف المشاركة ببنود التعهدات والبيانات التي وقّعت عليها، الأمر الذي أثّر في مصداقية المؤتمرات التي تنظمها الحكومة أو أي طرف سياسي آخر.

الخلاصة والاستنتاجات

ستحاول الأطراف الشيعية المتطرفة عرقلةَ مبادرة الحوار الوطني أو إفراغها من محتواها حتى لا تُحتسب كدعاية انتخابية لصالح الكاظمي، خصوصاً أنها ستكون قبيل الانتخابات المبكرة. وفي المقابل، سيحاول الكاظمي توفيرَ دعم سياسي لحكومته، ذلك أنه لا يمتلك أي كتلة برلمانية، لذا يحتاج إلى دعم سياسي لتطبيق سياساته، خصوصاً في مجالات الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية، وهذا هو جوهر المبادرة أو أهم أسبابها غير المعلنة.

وأغلب الظن أن الأطراف الداعمة للحكومة، وفي مقدمتها تيار الصدر و"الحكمة" و"النصر"، ستُشارك بفاعلية في الحوار، إضافة إلى بعض قوى الاحتجاجات الشعبية، وهي الأطراف ذاتها المرشحة للتحالف فيما بينها بعد الانتخابات لتشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر مع تيار "المرحلة" الذي سيمثل الكاظمي بطريقة غير مباشرة.

وقد يخلق الحوار انقساماً جديداً ضمن القوى "التشرينية"، بين تلك المتشددة التي تطالب بمقاطعة كل ما هو رسمي وحكومي وترفض الجلوس مع من تعتقد بأنهم قادة "الفساد والخراب" في البلاد، وبين القوى التي ترى ضرورة المشاركة الفاعلة من أجل تحقيق التغيير المطلوب، والحصول على ضمانات لتنظيم انتخابات تحظى بقدر كبير من النزاهة والشفافية.

ولن تُبارِك الأطراف الكردية مخرجات الحوار الوطني ما لم يُحقق أهدافها في حل المشاكل العالقة مع بغداد، لاسيما عودة سيطرة حكومة الإقليم على بعض أجزاء محافظة كركوك، وضمان حصص مالية ثابتة من الموازنة، وكما جرت العادة ستكون موافقتها على بعض بنود الاتفاقات أو البيانات التي ستخرج من الحوار الوطني محلَّ مساومة وتفاوض من أجل الحصول على مكاسب مادية وآنية للإقليم الكردي.

أحدث الإيجازات