عملت حكومة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي منذ الأيام الأولى لتسلُّمها مهامها، على وضع إجراءات عملية لإصلاح قطاع الأمن في العراق، وهو ما جعلها في مواجهة مستمرة مع الفصائل الولائية المرتبطة بإيران، والرافضة لأي عملية إصلاح للأجهزة الأمنية العراقية، خصوصاً عندما تستهدف هذه الإصلاحات وجودها وعناصرها، وهو ما أشارت إليه مثلاً التدابير الأخيرة التي اتخذها جهاز المخابرات الوطني العراقي، عبر نقْل عددٍ من عناصره للعمل في المنافذ الحدودية العراقية. ورغم تأكيد الجهاز على الطبيعة الفنية والإدارية لهذا الإجراء، إلا إن الفصائل أصرَّت على إعطائهِ بُعْداً سياسياً، وجعلتهُ مدخلاً لتصعيد التوتر القائِم مع حكومة الكاظمي.

المقاربة الأمنية لحكومة الكاظمي

اعتمدت حكومة الكاظمي مقاربة أمنية تجمع بين البعدين الخشن والناعم، في التعامل مع الفصائل الولائية ووجودها داخل الأجهزة الأمنية العراقية، تمثلت أطرها العامة في الآتي:

  • تمكين الدولة العراقية من خلال الحد المتدرج من قوة هذه الفصائل، وعلى نحوٍ يجعل من خيار مواجهتها واحتوائها أكثر سهولة في مراحل لاحقة، وضمن هذه السياسة اندرجت إجراءات استهداف المناصب الحكومية التي استحوذت عليها الفصائل الولائية بطريقة مخالفة للقانون، واحتواء مكاتبها الاقتصادية التي تتحكم بالثروات والمال العام[1]، وتقليص وجود العناصر التابعة لها داخل الأجهزة الأمنية، عبر عمليات الاستبدال والنقل والإقالة، بصورة قانونية ودستورية، مع الحرص على عدم إعطائها بُعْداً سياسياً.
  • حصر الدعم الدولي بالقوات الأمنية الرسمية العراقية، وحرمان الفصائل الولائية منها، من أجل تمكين القوات العراقية، وزيادة الفارق بينها وبين الفصائل، ومحاولة إيصالها إلى مرحلة الاندماج الطوعي داخل الأجهزة الأمنية العراقية.

ورغم نجاح هذه المقاربة في التضييق على عمل الفصائل الولائية، إلا أنها واجهت تحدِّيات مهمة، تتمثل في استمرار امتلاك هذه الفصائل القدرة على الاستفزاز الأمني وتهديد الاستقرار السياسي، ما دفع حكومة الكاظمي إلى القبول بتوازنات مرحلية، حتى تستعيد الدولة قوتها الكاملة، فضلاً عن إصرار الكتل السياسية الشيعية على الاستحواذ على المناصب القيادية في الأجهزة الأمنية الحساسة، بما فيها جهازا المخابرات الوطني والأمن الوطني، اللذان يُداران بالوكالة، في مقابل سعي حكومة الكاظمي إلى إبعاد هذه المناصب عن الاستحقاقات السياسية، وتحديداً تلك المتعلقة بالقوى السياسية التي لديها علاقات متوترة مع الولايات المتحدة.

تدابير حكومة الكاظمي لإصلاح قطاع الأمن

اتخذت حكومة الكاظمي العديد من الإجراءات والتدابير المتصلة بإصلاح قطاع الأمن، وتقليص قوة الفصائل الولائية تدريجياً، وشملت تلك التدابير الآتي:

  • اقتصادياً، أجرت حكومة الكاظمي منذ 14 سبتمبر 2020 العديد من التغييرات في المؤسسات الاقتصادية والمنافذ الحدودية والموانئ، إلى جانب هيئتي النزاهة والأوراق المالية، من أجل تعزيز سيطرة الحكومة على مصادر الدخل الوطني، وتأمين الأموال للحكومة لمواجهة الأزمة الاقتصادية، وفي الوقت نفسه حرمان الفصائل من مصادر مالية مهمة غير مشروعة.[2]
  • أمنياً، أجرت حكومة الكاظمي منذ 4 يوليو 2020 العديد من التغييرات الأمنية التي طالت جهاز الأمن الوطني ومستشاريته، إلى جانب قيادة العمليات الوطنية وقيادة الدفاع الجوي وفرقة القوات الخاصة بحماية المنطقة الخضراء، من أجل خلق ظروف تُمكِّن الحكومة العراقية من استعادة سلطتها من الفصائل المزعزعة للاستقرار. وتعمل هذه التغييرات بشكلٍ وثيق مع جهود الإصلاح داخل هيئة الحشد الشعبي [3]، والتي تمثل إحدى العقبات المهمة في هذا المجال.
  • استخبارياً، أجرت حكومة الكاظمي منذ 7 يوليو 2020 العديد من التغييرات التي طالت الأجهزة الاستخبارية، وذلك عبر إقالة رئيس مديرية الاستخبارات العسكرية في وزارة الدفاع العراقية، وإقالة وكيل وزير الداخلية لشؤون الاستخبارات، وإقالة مدير عام استخبارات ومكافحة الإرهاب بوزارة الداخلية (خلية الصقور)، وإقالة مدير قسم الاستخبارات وأمن عمليات بغداد، في إطار مساعي أوسع لتقليص دور الفصائل داخل هذه الأجهزة الحساسة، بعد أن كانت قد تغلغلت كثيراً داخلها خلال فترة حكومة عادل عبد المهدي.
  • سياسياً، عملت حكومة الكاظمي، وبنجاح متفاوت، على عدد من التدابير والخطوات السياسية ذات الصلة بمساعي إصلاح قطاع الأمن العراقي، أهمها الآتي:
  1. الدَّفْع نحو تحويل الدور الإيراني في العراق إلى ضابط لحركة الفصائل الموالية لطهران، ورفْع اليد عن بعضها.
  2. محاولة خلْق إجماع سياسي عراقي على إدانة الهجمات الصاروخية التي تنفذها "خلايا الكاتيوشا" المرتبطة بالفصائل الولائية، والتي تستهدف المواقع والسفارات والمصالح الأجنبية.
  3. التوصل لتفاهمات مع التحالف الدولي وحلف الشمال الأطلسي، لممارسة أدوار أوسع في تطوير الأجهزة الأمنية العراقية ودعمها.

تحديات إصلاح قطاع الأمن في العراق

تُواجِه جهود حكومة الكاظمي لإصلاح قطاع الأمن في العراق جملةً من التحديات، أهمها الآتي:

  • مُعارضة الفصائل الولائية لتدابير إصلاح قطاع الأمن العراقي، واعتبارها جزءاً من استراتيجية أمريكية مضادة لها.
  • رفْض أغلب القوى السياسية الشيعية أية عملية إصلاحية تطال الأجهزة الأمنية، خشية تَعرُّض المكتسبات السياسية التي حققتها بعد عام 2003 للخطر.
  • التوتر الأمريكي-الإيراني وانعكاسه السلبي على الواقعين السياسي والأمني في العراق، بما في ذلك عرقلته العديد من البرامج الإصلاحية التي تحاول الحكومة العراقية إنجازها.
  • استشراء الفساد ومظاهر التغلغل الحزبي داخل الأجهزة الأمنية، وعدم كفاية التدريب والتنظيم لمنتسبي تلك الأجهزة، ما انعكس سلباً على قوتها واستقلاليتها.
  • ازدواجية الأدوار والمهام لمختلف وكالات الاستخبارات والقوات الأمنية، والتداخُل فيما بينها.[4]
  • انسحاب بعثة التحالف الدولي الخاصة بتحديث وتدريب القوات الأمنية الرسمية العراقية، من العديد من القواعد العسكرية التي كانت توجد فيها، بفعل استمرار الهجمات الصاروخية التي تستهدفها من قبل الفصائل المسلحة المنفلتة.

استنتاجات

حاولت الفصائل الولائية مؤخراً الربط بين مجمل الإصلاحات التي أجرتها حكومة مصطفى الكاظمي في العديد من أجهزة ومؤسسات القطاع الأمني في العراق، وتوصيفها على أنها تأتي في إطار مخطط لاستهدافها وضرْبها مستقبلاً. ورغم تأكيد حكومة الكاظمي بأن هذه الإصلاحات تأتي في إطار إعادة الثقة بالأجهزة الأمنية العراقية من قبل المجتمع الدولي، وتقويتها وزيادة استقلاليتها، خصوصاً أن العراق لا يزال يواجه تهديدات تنظيم داعش، وتحديات أمنية أخرى، إلا أن هذه الإجراءات الإصلاحية قد تتسبب في نشوب مواجهة بين الحكومة والفصائل الموالية لإيران مستقبلاً، لا سيما أن هذه الفصائل ليست في وارد الاستسلام أمام انهيار مكاسبها الأمنية والسياسية والمالية التي حصلت عليها بعد الحرب على "داعش".

والمؤكد أن مواجهة محتملة كهذه، ستكون صعبة وغير مضمونة النتائج، بالنظر إلى أن طرفيها يمتلكان أدوات قوة أحدهما ضد الآخر، وما يزيد من تعقيد هذه المواجهة، أن نطاقها قد يتجاوز الحدود العراقية، ليجد صداه في البيئة الأمنية الخارجية للعراق، لا سيما في ظل استمرار التوتر في العلاقات الأمريكية-الإيرانية، وبقاء الداخل العراقي مسرحاً محتملاً للصدام بين الدولتين.

الهوامش

[1] هشام الهاشمي، المواجهة مع الفصائل المهجنة، موقع العالم الجديد، 2 يوليو 2020. https://bit.ly/3tGcYp0

[2] Michael Knights, Kadhimi’s Rolling Reshuffle (Part 2): Protecting Iraq’s Economic Institutions and Borders, The Washington Institute for Near East Policy, 15 Sep 2020. https://bit.ly/3f0VXSm

[3] Michael Knights and Alex Almeida, Kadhimi’s Rolling Reshuffle (Part 1): Military Command Changes, The Washington Institute for Near East Policy, 14 Sep 2020. https://bit.ly/3r4c5Vv

[4] Michael Knights, Pierre Morcos and Charles Thépaut, NATO in Iraq: Not a Surge, The Washington Institute for Near East Policy, 5 Mar 2021. https://bit.ly/3s7UKMH

 

أحدث الإيجازات