الأسد وروسيا: خلافٌ جوهري أم مُجرَّد تبادُل أدوار؟

مركز الإمارات للسياسات | 14 أكتوبر 2020

في الأسبوع الأول من أكتوبر الجاري، أدلى الرئيس السوري بشار الأسد بجملة من التصريحات، عبر منابر روسية، بمناسبة الذكرى الخامسة للتدخل الروسي في بلاده، وكان لافتاً أن هذه التصريحات تناقضت، بشكل حاد مع ما هو مُعلَن في السياسة الروسية تجاه العناصر الأساسية في الملف السوري، وهو ما يطرح السؤال عمَّا إذا كانت السياسة الروسية ما زالت تتبع التكتيك نفسه الذي طالما استخدمته منذ تدخلها العسكري في سوريا، والذي ينطوي على عدم وضوح كامل ويبدو حمّالاً لتفسيرات عديدة، أم أنها بالفعل دخلت في خلاف عميق مع النظام الحاكم في دمشق، ولا تستطيع بالفعل فرض رؤاها وسياساتها عليه؟

نقاط الخلاف

كشف الرئيس بشار الأسد، في لقائه الأخير مع قناة "زفيزدا" الروسية، عن جملة من التناقضات مع السياسة الروسية تجاه بلاده، والفاعلين الإقليميين والدوليين المنخرطين في الأزمة السورية، من أهمها الآتي:

1. الحرب في سوريا انتهت أم لم تنته؟

في منتصف سبتمبر 2020، أكد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في حديث لقناة العربية ولبعض وسائل الإعلام الروسية، أن الحرب في سوريا قد انتهت، إذ قال "لا أعتقد أن هؤلاء الذي تحدثوا مع الرئيس السوري، بشار الأسد، ومسؤولين آخرين في الدولة، يمكنهم القول إن حكومة الجمهورية العربية السورية تُعوِّل فقط على حل عسكري للنزاع. هذا ليس حقيقة. المواجهة العسكرية بين حكومة البلاد والمعارضة انتهت". وشدد لافروف على أن سوريا بقيت فيها نقطتان ساخنتان فقط، وهما منطقة إدلب وأراضي شرق الفرات، لكنه استدرك بالقول مجدداً "إن لا حل عسكري في البلاد". وفيما بدا أنه رفضٌ للتقديرات الروسية بهذا الخصوص، أكد بشار الأسد في تصريحاته الأخيرة أن الحرب في بلاده لم تنته "طالما أنه يوجد إرهابيون يحتلون بعض مناطق بلادنا ويرتكبون مختلف أنواع الجرائم والاغتيالات والجرائم الأخرى، فإن الحرب لم تنته، وأعتقد أن مشغليهم حريصون على جعلها تستمر لوقت طويل. هذا ما نعتقده". بل ذهب الأسد أبعد من ذلك حينما تحدث عن "إطلاق مقاومة شعبية لمواجهة الاحتلالين الأميركي والتركي".

2. الاستخفاف بمفاوضات جنيف

اعتبر الأسد أن مفاوضات جينيف، الهادفة إلى إصلاح دستوري في سوريا، والتي توليها روسيا أهمية خاصة، هي عبارة عن "لعبة سياسية"، وهي برأي رئيس النظام السوري "ليست ما يُركز عليه عموم السوريين؛ فالشعب السوري لا يفكر بالدستور، ولا أحد يتحدث عنه؛ اهتماماته تتعلق بالإصلاحات التي ينبغي علينا القيام بها، والسياسات التي نحن بحاجة لتغييرها لضمان تلبية احتياجاتهم. هذا ما نركز عليه حالياً".

3. رفض الاتفاقيات الروسية-التركية

طالما عبَّر الأسد عن رفضه الضمني للاتفاقيات الروسية-التركية بشأن إدلب، من خلال هجومه المستمر على السياسة التركية في سوريا، لكنه في هذه المرة انتقد، وبشكل صريح وبدون مواربة، الاتفاق بين الجانبين الروسي والتركي بقوله إنه ليس فعالاً، مُسوغاً ذلك بأنه "لو كان اتفاق موسكو وأنقرة فعَّالاً، لما اضطررنا إلى تنفيذ أعمال قتالية مؤخراً في العديد من مناطق حلب وإدلب، لأن النظام التركي كان عليه إقناع الإرهابيين بمغادرة المنطقة وتمكين الجيش السوري والحكومة والمؤسسات السورية من السيطرة عليها، لكنهم لم يفعلوا ذلك".

4. الوجود العسكري الإيراني في سوريا

نفى الأسد وجود قوات إيرانية في سوريا، معتبراً أن الأمر مجرد ذريعة أمريكية للتدخل في بلاده، وأن الإيرانيين الموجودين في سوريا هم مجرد "خبراء عسكريين يعملون مع الجيش السوري على الأرض"، فيما يبدو أنه توافقٌ مع رواية طهران التي تزعم عدم وجود قوات إيرانية في سوريا باستثناء مستشارين ليست لديهم مهمات قتالية. وكانت روسيا قد أعلنت في سبتمبر 2018، عبر الناطق باسم وزارة الدفاع الروسية اللواء إيغور كوناشينكوف أن إيران "سحبت جميع القوات الموالية لها وأسلحتها الثقيلة من مرتفعات الجولان إلى مسافة آمنة بالنسبة لإسرائيل، وهي 140 كيلومتراً شرق سوريا". وأكد بالأرقام انسحاب 1050 عسكرياً، و24 راجمة صواريخ ومنظومة صاروخية تكتيكية، وكذلك 145 وحدة من أنواع الأسلحة والمعدات العسكرية الأخرى.

مضامين كلام الأسد ومراميه

تُظهر تصريحات بشار الأسد الأخيرة، بشكل جلي، أنه يستهدف الترتيبات الروسية في سوريا، وهي ترتيباتٌ جهدت الدبلوماسية الروسية في المرحلة السابقة، وحتى في السنوات الأخيرة، في إبرازها بوصفها المقاربة الأكثر واقعية للأزمة السورية، وبالتالي فإن كلام الأسد يضع هذه الترتيبات في وضعٍ حرجٍ للأسباب الآتية:

  • التشكيك في مصداقية روسيا وإمكانية إيفائها بالالتزامات التي ترتبت على تفاهماتها مع الفاعلين المنخرطين في الأزمة السورية، وليس سراً ان هذه التفاهمات سهَّلت، بدرجة كبيرة، الحرب الروسية في سوريا، ولولاها، كما يُرجِّح معظم التقديرات، لكانت روسيا قد واجهت مصاعب عديدة.
  • وضع المنطقة على شفير حالة من عدم الاستقرار، وخاصة عبر دعوته لتشكيل مقاومة ضد الوجودين الأمريكي والتركي، وكذلك عدم اعترافه بالوجود الإيراني في جنوب سوريا، وهذا ما سيدفع الأطراف المعنية الى إعادة حساباتها، والعمل بطريقة مختلفة في الملف السوري، من شأنها رفع التكاليف على النفوذ الروسي.
  • التخريب على الجهود الروسية في إعادة تأهيل النظام لدى الدول الغربية والعربية، ودفع هذه الأطراف إلى تمويل مشاريع إعادة الإعمار، إذ إن هذه الأطراف تشترط وجود عملية سياسية لتغيير مواقفها، وطالما اعتبرت موسكو أن الإصلاح الدستوري يشكّل مقدمة هذه العملية، في حين يرى الأسد أن الأمر مجرد "لعبة" مُستخفاً بالعملية برمتها.

ويعكس موقف الأسد، انزعاجاً من السياسة الروسية في بلاده، وقد برز في الآونة الأخيرة عنصران يساعدان على تفسير موقف الأسد:

  1. رفض روسيا مساعدة النظام السوري اقتصادياً في ظل أزمته الخانقة، إذ تشير المعلومات إلى أن وفداً سورياً زار موسكو وطلب قرضاً مُستعجلاً بقيمة مليار دولار، إلا أن السلطات الروسية أحالت مسألة تحسين المناخ الاقتصادي السوري إلى تسريع المسار السياسي الذي من شأنه، إذا تم تنشيطه، أن يؤسس لضمّ أطراف إقليمية ودولية إلى مسار تقديم المساعدات، وهو الأمر الذي يرفضه الأسد بشكل مطلق.
  2. كشفت الإدارة الأمريكية عن وجود خطة في عام 2017 لاغتيال الرئيس الأسد، وأن الخلافات داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب، وليس سطوة روسيا وتفاهماتها، هي من أوقف تنفيذ الخطة، وهذا يعني بالنسبة للأسد أن روسيا ليست معنية بحمايته، ولا تَعتَبِر أمنه الشخصي خطاً أحمرَ، وإلا لما فكّرت الإدارة الأمريكية باغتياله، اعتماداً على علمها، وربما من الروس أنفسهم، أن اغتيال الأسد لن يؤدي إلى أزمة كبيرة بين الطرفين.

حدود قدرة الأسد على تحدي السياسة الروسية

نظرياً، يبدو الأسد معدوم الحيلة تجاه روسيا، إذ عدا عن دورها الكبير في إنقاذه من خصومه، فهي لا تزال تشكّل غطاءً يحميه من المحاسبة الدولية، وتمدّه بمختلف أشكال الدعم العسكري والدبلوماسي، لكن تَكِشف الوقائع، يوماً بعد آخر، أن الأسد يمتلك العديد من أوراق القوّة وحيثياتها، والتي تجعله لا يخضع بالمطلق للسياسات الروسية، من بينها:

  • يعتبر الأسد نفسه أحد عناصر ترقية روسيا إلى فاعل مهم في اللعبة الدولية، فقد أتاحَ لها نفوذها في سوريا، لأول مرّة منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، التحوّل إلى لاعب مهم في تقرير سياسات الشرق الأوسط، وهذا يمنحه وزناً مهماً يستحق مقابله الحصول على وضعية خاصة لدى صُنَّاع القرار في الكرملين.
  • يُدرك الأسد حاجة روسيا إليه، نتيجة عدم قدرتها على إيجاد بديل له، ومعرفتها مدى التصاق الطائفة العلوية به، وخاصة أن أسهم روسيا لدى الطائفة بدأت في التراجع، بخلاف المرحلة الأولى من تدخلها في البلاد، إذ بات العلويون يدركون انتهازية السياسة الروسية ومقاصدها الهادفة للسيطرة على ثروات الساحل السوري وحرمانهم منها.
  • اعتقاد الأسد بوجود بدائل عن روسيا إذا أراد السير بهذا الاتجاه، وتَكشِف محاولته اللعب على ورقة السلام مع إسرائيل، وتحوّلها إلى مفتاح للعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، تعمُّده إرسال رسالة لروسيا بهذا الخصوص.
  • يَعرِف الأسد جيداً نقاط ضعف روسيا، وخاصة أطماعها في الاقتصاد السوري، وبالتالي فهو، ومن خلال لعبه على حبل أطماعها، يستطيع تكوين هامش مناورة واسع تجاه الروس.

لكن في المقابل، يذهب البعض إلى أنه لا ينبغي التوهم بوجود تناقضات كبيرة بين الأسد وروسيا، وبالتالي الوصول إلى نتائج خاطئة ومُظللة، حيث لا يوجد لدى روسيا ثوابت في سياستها في الملف السوري سوى الحفاظ على الأسد في السلطة بأي ثمن، واستثمار الورقة السورية إلى أقصى حدّ في مواجهة جميع اللاعبين الإقليميين والدوليين، وكلّ ما ورد على لسان الأسد، ربما لا يعدو كونه كلاماً روسياً بالوكالة، اعتماداً على المؤشرات الآتية:

  • تزامُن تصريحات الأسد ضد تركيا مع اشتداد معارك القوقاز وانزعاج روسيا من الموقف التركي، ورغبتها في الضغط عليها في سوريا.
  • جاءت تهديدات الأسد بمقاومة الوجود الأمريكي في سوريا، في ظل اشتداد التنافس بين روسيا والولايات المتحدة على السيطرة على مناطق شرق الفرات.
  • أن استخفاف الأسد باللجنة الدستورية لا يخرج عن سياق تقزيم روسيا نفسها لعملية جنيف، اعتقاداً منها بأن الوقائع تجاوزت هذه العملية، وأن نظام الأسد أصبح مُستقِراً والمعارضة باتت ضعيفة إلى درجة أنها لا تستحق مكافأتها بتنازلات دستورية أو سواها.

خلاصة واستنتاجات

تَطوَّرت الأمور في سوريا، وتَغيَّرت المعطيات، ولم تعد ظروف بشار الأسد كما كانت عشية التدخل الروسي، لذا ما عاد مُمكناً الاكتفاء بمقاربة الأوضاع السورية من زاوية سيطرة بوتين المطلقة وخضوع الأسد.

وفي المقابل، يلعب الأسد ضمن الهامش المتاح روسياً، ورغم التمرُّد الظاهري على السياسة الروسية، إلا أن التقاطع بين الطرفين تجاه عناصر الملف السوري واضحٌ وجلي، وتقنياً، تحتاج التكتيكات الروسية إلى تحديث دائم، وهو ما يُدركه الأسد ويلعب ضمن نطاقه.

أحدث الإيجازات