في شهر يوليو 2021 تسارعت التطورات الدراماتيكية في إطار صراع الأجنحة داخل الاتحاد الوطني الكردستاني (اوك) مع قيام بافل جلال طالباني بالإطاحة بشريكه في قيادة الحزب، لاهور شيخ جنكي طالباني، وإعلان نفسه رئيساً وحيداً للحزب.

في جذور الصراع

يبدو أن هذا الصراع على قيادة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني كان مُحتماً منذ رحيل الزعيم الكارزمي للحزب، جلال طالباني، حيث لم تظهر أي شخصية قادرة على ملء الفراغ، وتعددت الرؤوس في عائلته لتسفر عن ترتيب غير مستقر في مؤتمر الحزب في فبراير 2020، حينما تقرر انتخاب كلٍّ من لاهور شيخ جنكي طالباني، نجل شقيق جلال طالباني، وبافل طالباني، الابن الأكبر لجلال طالباني، زعيمين مشتركين للحزب. وقبلها كان لاهور يشغل موقع رئيس جهاز استخبارات الحزب، وقوة مكافحة الإرهاب، وبالتالي كان يمتلك مقاليد القوة الأمنية. لاهور اعترض على الترتيب حينها لأنه عملياً فاز بانتخابات الحزب وتجاوزت أصواته أصوات بافل، إلا أن الأجنحة الأخرى لم تكن تثق به وطموحاته لتولي المنصب بمفرده، فضلاً عن صعوبة اقصاء العائلة المباشرة لجلال طالباني التي يرتبط اسم الحزب وتاريخه بها. وقد اتفق الزعيمان حينها على أن يتولى لاهور الشؤون الأمنية ويتولى بافل الشؤون السياسية.

إلا أن قوة لاهور استمرت في النمو؛ فعلاوة على سيطرته عن طريق مقربين منه على أهم جهازين أمنيين تابعين للحزب، جهاز الاستخبارات والمعلومات (زيناري) وقوة مكافحة الإرهاب التي أسسها لاهور بعد 2003 بالتعاون مع القوات الأمريكية، فإنه أيضاً وسَّع سيطرته لتشمل الكثير من الشركات ومؤسسات الأعمال، فضلاً عن نشاطات التهريب عبر الحدود، وأخذ مؤخراً في توسيع سطوته الإعلامية عبر إنشاء محطة تلفزيون باسم (أي بلس). 

بدا واضحاً، إذن، أن لاهور في طريقه لأن يصبح عملياً الرئيس الفعلي والمؤثر وصاحب القوة على الأرض، الأمر الذي استفز عائلة طالباني المباشرة، هيرو احمد، زوجة جلال طالباني وابنة الزعيم الكردي التاريخي، إبراهيم أحمد، وأبنائها بافل وقباد طالباني، والأخير يشغل أيضاً منصب نائب رئيس وزراء الإقليم. وقد تصاعد التوتر بين بافل ولاهور مع إشاعة عائلة طالباني معلومات مفادها أن مقرباً من لاهور قام بزرع جاسوس في بيت بافل، وأن محاولةً لقتل الأخير بالسم قد حصلت. إثر ذلك، اتخذ بافل قراراً بتغيير رئيسي جهاز زيناري وقوة مكافحة الإرهاب، وأرسل أخيه قباد بصحبة جعفر مصطفى، نائب رئيس إقليم كردستان، للإشراف على احتفال رسمي بتسلم الرئيس الجديد لجهاز (زيناري) منصبه في منطقة كالاوجين، شمال شرق السليمانية حيث تقع مقرات الحزب وأجهزته الأمنية. لكن رئيس الجهاز المقرب من لاهور، محمد طالباني، رفض تسليم مهامه، وبلغ التوتر حد دخول القوات التابعة للطرفين وضع الاستعداد للاشتباك العسكري.

لكن بافل، المدعوم بأجنحة الحزب الأخرى، قام بوضع محمد الطالباني قيد الاعتقال لعدة أيام، جرى خلالها، وبدعم من بيشمركة الحزب ومعظم قياداته، نقل قيادة الجهازين الى المسؤولين الذين عيّنهم بافل، ما شكل عملياً تجريداً للاهور من عناصر قوته الأساسية. بعدها، أعلن بافل أنه أصبح الرئيس الوحيد للحزب، فيما يشبه الانقلاب الناعم على قرارات مؤتمره الأخير. وتم وضع اليد على العديد من الشركات والمؤسسات المرتبطة بلاهور طالباني، ومن بينها محطة التلفزيون التي كانت قيد الإنشاء.

أصداء الإطاحة بلاهور

لقيت إجراءات الإطاحة بلاهور شيخ جنكي دعماً من قباد طالباني وجعفر مصطفى الذي يُشرف بدوره على قوة من مقاتلي الحزب. كما رحَّب الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) بها بسبب العداء الشديد بين قيادييه، وتحديداً مسرور بارزاني الذي يشغل منصب رئيس وزراء الإقليم، ولاهور طالباني. وكان لاهور قد قاد حملة لتأكيد الاستقلال الذاتي للسليمانية عن أربيل، وللحد من هيمنة الديمقراطي الكردستاني على شؤون الإقليم، وتواصل بشكل مباشر مع بغداد. كما أنه كان ينسق مع حزب العمال الكردستاني (بككا) الذي دخل بصدامات عديدة مع الديمقراطي الكردستاني مؤخراً.

وبينما تسرَّبت معلومات عن خروج لاهور من السليمانية إلى مكان مجهول، فإنه أصدر بيانات عبر منصات التواصل الاجتماعي أكد فيها على أن الـ (اوك) سيبقى موحداً، وأنه يرفض أي استخدام للقوة بين أبناء الحزب، وأعلن استعداده للخضوع لأي تحقيق حول الاتهامات التي وجهت إليه فيما يخص الضلوع بعمليات تهريب وتجارة غير قانونية. وأشار لاهور إلى "المؤامرات" الداخلية والخارجية التي تحاك ضده، مُلمحاً إلى دور تركي في الانقلاب عليه. وبالطبع، فإن تركيا سعيدة بالإطاحة بلاهور بسبب علاقاته مع الـ "بككا"، إلا أنه من المستبعد أن يكون لها دور أساسي فيما حصل، نظراً لمحدودية نفوذها في السليمانية، مُقارنة بالنفوذ الإيراني. وقد ترشَّحت معلومات عن قيام وفد استخباراتي إيراني بزيارة السليمانية للتوسط بين المتنافسين، ومنع حصول اقتتال بين جماعتي لاهور وبافل.

الموقف الإيراني

ليس من الواضح ما إذا كان الإيرانيون يعملون على تحجيم لاهور شيخ جنكي، أم أنهم يفضلون شكل من أشكال توزيع السلطة داخل السليمانية. وكانت مقالة لصحفيين أمريكيين قبل أشهر قليلة قد ربطت بين قوة مكافحة الإرهاب التي رأسها لاهور وعملية اغتيال قاسم سليماني، مُشيرة إلى أن عدداً من عناصر هذه القوة اشتركوا في مراقبة سليماني بعد نزوله إلى مطار بغداد، الأمر الذي سارع لاهور والمقربين منه إلى نفيه. وربما استغل جناح بافل الأمر لإقناع الإيرانيين بالتخلي عن لاهور، كما أن لبافل وقباد، وبشكل خاص الأخير، علاقات جيدة بالأمريكيين والغربيين بحكم تعليمهما الغربي وإقامة قباد في واشنطن مُمثلاً لإقليم كردستان لعدة سنوات.

النتائج والتوقعات

مع نهاية شهر يوليو الفائت، يبدو أن عائلة طالباني المباشرة نجحت في فرض الأمر الواقع، وأن لاهور شيخ جنكي بات في أضعف حالاته، وقد يؤدي ذلك إلى تقارب جديد بين "اوك" و"حدك"، أو في الأقل الحدّ من التوتر بين الطرفين. لكن مشاكل "اوك" لا يحتمل أن تنتهي، ليس فقط لأن الانقسام الراهن طال أجنحةً مختلفة داخل عائلة الطالباني الكبيرة، وتَغلغل داخل الأجهزة الأمنية، بل وأيضاً لأن الحزب مازال يواجه مشاكل كبيرة في تحديد مساره وتثبيت شرعيته التي تتعرض للمُساءلة بين الحين والآخر من حركات جديدة داخل السليمانية. 

_____

تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ"مركز الإمارات للسياسات"، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من المركز، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى المركز بوصفه الناشر الأصلي. 

أحدث الإيجازات