في 20 يونيو 2020 حلت الذكرى الخامسة لتوقيع اتفاق السلام والمصالحة الوطنية في جمهورية مالي، والذي وقَّعته الحكومة المالية والمليشيات الموالية لها مع تنسيقية الحركات الأزوادية، التي يهيمن عليها الطوارق بزعامة بلال أغ الشريف. وقد انعقدت على الاتفاق آمالٌ عريضة في القضاء على تمرد الطوارق، وتحقيق السلم المستدام والمصالحة بالبلاد، التي مرت بخبرات متواترة من الصراع بأقاليمها الشمالية منذ استقلالها. لكن التحديات الجمَّة التي تعترض الاتفاق، لم تزل تُلقي بظلالٍ من الشك حول إمكانية إنفاذِه.

توقيع اتفاق السلام والمصالحة

وُقِّع اتفاق السلام بوساطة جزائرية مباشرة، وتضمن 68 مادة، أهمها اعتراف حكومة باماكو بخصوصية الإقليم الشمالي في إطار الدولة الموحدة، وقبولها بالتوسُّع في تطبيق اللامركزية، لتتيح تمثيلاً أكبر لأبناء الشمال بالجمعية الوطنية، ووضع استراتيجية للتنمية في البلاد، بحيث يتم رفع مستوى التنمية بالشمال، ليعادل نظيره بالإقليم الجنوبى، وصياغة ميثاق وطني للعدالة الانتقالية والسلام والمصالحة، وتشكيل لجنة للحقيقة والمصالحة، وإنشاء لجنة دولية للتحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.

لم يكن اتفاق يونيو 2015 الأول من نوعه، فقد سبقته أربعة اتفاقات أخرى، تراوحت حظوظها بين بدايات متعثرة ونهايات فاشلة. لكن الجديد في الاتفاق الراهن أنه يضم كافة الحركات المعارضة، ونَصِّهِ على عدم إمكانية تعديل بنوده إلا بموافقة صريحة من جميع أطرافه، إلى جانب كونه يحظى برعاية دولية وإقليمية واسعة النطاق.

تطبيق الاتفاق: الجهود والتحديات

أقر الاتفاق تشكيل سلطات انتقالية لإدارة المناطق الإدارية الخمس بشمال مالي (كيدال وجاو وتمبكتو وميناكا وتاودينيت)، وذلك حتى تتشكل مجالس منتخبة ذات صلاحيات واسعة. وتم إعداد مشروع الدستور، تمهيداً لإقراره عبر استفتاء عام. كما اتخذت الحكومة إجراءات لتعزيز الثقة بينها وبين الطوارق، فأصدرت عفواً عاماً عن كثير من قادتهم، واستحدثت وزارة للمصالحة الوطنية وتنمية المناطق الشمالية. لكن تمثيل الطوارق بالحكومة ظل شديد التواضع، حيث أسندت إليهم وزارة البيئة، فيما ظلت الوزارات السيادية حكراً على الجنوبيين.

وعلى الجانب الأمني، شَرَعَت الحكومة في نشر الجيش الوطنى بالشمال، لكنها ما زالت غير قادرة على تحقيق الانتشار الكامل، نتيجة لتواتر الاشتباكات بين القوات الحكومية والمعارضة الطوارقية، وهو ما دفع تنسيقية الحركات الأزوادية لتعليق مشاركتها في لجنة مراقبة اتفاق السلام في أغسطس 2015. كما اتسع نطاق الهجمات الإرهابية، خاصة من جانب تحالف "أنصار الإسلام والمسلمين"، لتبلغ ذروتها خلال العام 2019/2018، مُستهدفة المصالح الحكومية وقوات الجيش، وبعثة الأمم المتحدة في مالي (مينوسما)، واختطاف وقتل الأجانب ومسؤولي الحكومة والأحزاب، ومثال ذلك اختطاف زعيم المعارضة إسماعيل سيسي في أواخر مارس 2020.

أضحى الوضع الأمنى أسوأ مما كان عليه قبل توقيع الاتفاق، بعدما تجاوز العنف الأقاليم الشمالية صوب المناطق الوسطى ليطال المدنيين، بالإضافة لاكتسابه بعداً طائفياً، بتكرار عمليات القتل على أساس الانتماء الإثني، ما أشاع مناخاً من القلق وعدم الثقة، خاصة بين الأقليات والشرائح الفقيرة. ولهذا تم نقل مقر قيادة قوات مجموعة الساحل (G5) من "سفاري" شمالاً إلى باماكو جنوباً، بعد ما أصبحت سفاري هدفاً استراتيجياً للحركات الإرهابية. كما تأجلت الانتخابات التشريعية لأكثر من مرة، حتى عقدت في 29 مارس 2020، رغم انتهاء ولاية البرلمان في نهاية 2018. وتأخَّر إدماج مقاتلى الطوارق في الجيش الوطني، ما دفع مجلس الأمن الدولى لتمديد تفويض بعثة مينوسما لسنة أخرى، حتى 30 يونيو 2021، على أن يصبح دعم تنفيذ اتفاق السلام والمصالحة على رأس أولوياتها.

وبالنسبة لأوضاع حقوق الإنسان، فرغم نص الاتفاق على تشكيل لجنة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان بالبلاد، لكن الانتهاكات استمرت، وأصبح الإفلات من العقاب طقساً يومياً، بل إن الجمعية الوطنية ألغت الملاحقة القضائية للرئيس الأسبق آمادو توماني توري، الذي أطيح به في انقلاب عسكري عام 2012، ليصبح باستطاعة توري اللاجئ بالسنغال، العودة لأرض الوطن متى شاء، وهو ما اعتبرته المعارضة تشجيعاً للإفلات من العقاب بتواطؤ حكومي. كما دانت منظمة العفو الدولية في يونيو 2020 تزايد حالات الإخفاء القسري، والقتل خارج نطاق القانون، وهو ما أنكرته حكومة باماكو قبل أن تضطر للتعهُّد بالتحقيق في الأمر.

وعلى الصعيد التنموي، نُفِّذ العديد من المشروعات بالأقاليم الشمالية، وذلك بدعم من بعثة مينوسما، بغية تحسين مياه الشرب والتعليم والصحة وإرساء سلطة الدولة، والأمن والمصالحة والتماسك الاجتماعي، حيث بلغت قيمة مساهمات البعثة بمنطقة جاو وحدها نحو 13 مليار فرنك أفريقى خلال المدة من 2013 إلى 2019.

لكن الأوضاع الاجتماعية والإنسانية لا تزال متردية في شمال ووسط البلاد، بالرغم من الجهود الحكومية لتحسين نوعية حياة المواطنين، إذ تعيش أغلبية كبيرة من المزارعين والرعاة حياة بائسة، في ظل نقص الأمطار والغذاء، وتردِّي حالة الطُّرق، وانتشار الألغام، والصدامات الإثنية، ونقص الرعاية الصحية، في وقتٍ كشفت تقارير إعلامية عن تورط العديد من مسؤولي الحكومة في قضايا الفساد السياسي.

تطبيق الاتفاق وشرعية النظام السياسي

أدت التحديات التي واجهت إنفاذ اتفاق السلام إلى تزايد الانتقادات الموجَّهة للحكومة، وتآكل شرعية النظام السياسي، وهو ما دعا الرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا لإجراء تغييرات متواليةعلى الحكومات، حيث شهدت البلاد ستة تشكيلات وزارية منذ 2013، مما حرم العمل الحكومي ميزة الاستقرار. لذا أعلنت المعارضة رفضها ترشُّح كيتا لولاية رئاسية ثانية عام 2018، بدعوى أنه لم يحقق انجازات حقيقية خلال ولايته الأولى، وتصدَّعت الجبهة الداخلية الداعمة للرئيس، بعدما تخلَّى عنه أبرز داعميه، خاصة الشيخ محمود ديكو الرئيس السابق للمجلس الإسلامي الأعلى، والشيخ محمدو ولد الشيخ زعيم الطريقة الحموية. كما أعلنت الحكومة عن إحباطها محاولة انقلابية في أبريل 2020.

في ذات الاتجاه، تراجعت نسبة التأييد للحزب الحاكم في الانتخابات التشريعية في مايو 2020، حيث خرجت التظاهرات في العاصمة تحت شعار "هَبَّة الخلاص"، بعدما التأم أغلب أحزاب المعارضة وتنظيمات المجتمع المدنى في إطار "الجبهة من أجل الحفاظ على الديمقراطية"، للمطالبة باستقالة الرئيس، مُعتَبرين إياه "المُشْكِل الذي تعاني منه مالي"، وهو ما يعكس تراجع ثقة الماليين بالرئيس كيتا ومشروعه السياسي، ليتسع بذلك نطاق الجدل بشأن مستقبل اتفاق السلام.

مستقبل اتفاق السلام والمصالحة

يمكن الحديث عن ثلاثة سيناريوهات محتملة لتطبيق اتفاق السلام والمصالحة الوطنية في مالي:  

1. إنفاذ الاتفاق وتجاوز التحديات: يرى البعض أن الدعم الدولي والإقليمي المستمر لاتفاق السلام والمصالحة من شأنه ضمان تطبيق الاتفاق، وإن كان الأمر سوف يستغرق المزيد من الوقت، وهو ما أكدته لجنة مراقبة اتفاق السلام والمصالحة (CSA) خلال اجتماعها الأخير في 11 يونيو 2020، الذي شاركت فيه الحكومة وجميع الحركات الموقعة على اتفاق السلام، والوسطاء الإقليميين والدوليين. ويتعزز هذا السيناريو في ظل ضعف النوايا الانفصالية لدى الطوارق، وتمسُّك الحكومة بالحوار مع المعارضة السياسية، وإعلانها فتح قنوات للحوار مع الحركات المتطرفة في فبراير 2020.  

2. انهيار الاتفاق وتفجُّر الصراع: قد يتحقق هذا السيناريو في حال استمرار ضعف الأداء الاقتصادي للحكومة، وتزايد احتمالات انسحاب قوات "برخان" الفرنسية من مالي، مما قد يمنح الفرصة لعودة التحالف بين بعض جماعات الطوارق والحركات المتطرفة، بغية شن حرب ضد شاملة النظام في باماكو، مثلما حدث عام 2012.

ولعل ما يدعم هذا السيناريو، بُطء تطبيق نزع السلاح وإعادة إدماج المقاتلين السابقين بالجيش الوطني، وتدفُّق الأسلحة إلى مالي عبر ليبيا وغيرها، وتزايد حالة السخط لدى الطوارق بسبب عدم تطبيق أغلب بنود الاتفاق، وتمسُّك الحكومة بعدم إطلاق مسمى إقليم أزواد على شمال مالي، ورغبة الحركات المتطرفة في الانتقام لمقتل قادتها، وآخرهم عبد المالك درودكال، زعيم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، الذي اغتيل في الأسبوع الأول من يونيو 2020 بشمال مالي. لكن انتشار قوات تحالف دول الساحل، المدعومة من الولايات المتحدة وفرنسا، ووجود بعثة الأمم المتحدة، يمثل تحدياً قوياً أمام صمود هذا المخطط.  

3. التطبيق الجزئى للاتفاق واستمرار السلام الهش: تشير المعطيات الراهنة إلى نجاح حكومة باماكو في تطبيق بعض جوانب اتفاق السلام والمصالحة، وإخفاقها في تطبيق جوانب أخرى، وهو ذات المصير الذي واجهته الاتفاقيات الأربع السابقة، التي توالى توقيعها منذ ستينيات القرن المنصرم.

ويبدو أن هذا السيناريو هو الأكثر رجحاناً، ويعني في حال تحققه استمرار حالة السلام الهش في مالي لسنوات مقبلة، خاصة في الشمال والوسط، بينما سيكون الجنوب أكثر استقراراً. وهنا، من المتوقع أن تزداد موجات النزوح من الوسط صوب العاصمة باماكو بهدف التمتع بحياة أفضل، بينما سيواصل أبناء الشمال النضال من أجل التغلب على إرث الاستعمار وأخطاء الحكومات المتعاقبة على السلطة في باماكو.

أحدث الإيجازات