انتعش المسار التفاوضي للأزمة اليمنية في إثر تعيين الدبلوماسي البريطاني المخضرم مارتن غريفيث، منتصف مارس الماضي، مبعوثاً أممياً جديداً إلى اليمن خلفاً للموريتاني إسماعيل ولد الشيخ. وخلال الجولة الأولى، ترك غريفيث انطباعاً إيجابياً لدى مختلف الأوساط السياسية والدبلوماسية، لجهة تحركاته المتنوعة، وطريقة التعاطي الجاد معه من قبل أفرقاء الصراع اليمني. فما إمكانية إنجاز غريفيث تقدماً على مسار إعادة إحياء العملية التفاوضية في ضوء التغيرات الأخيرة التي طرأت على الحالة اليمنية، وما أهم محددات نجاحه/فشله في مهمته الراهنة، وما السيناريوهات المتوقعة لجهود الوساطة الأممية بقيادته؟

الجولة الأولى للمبعوث الأممي

وضع مارتن غريفيث لوساطته – طبقاً لتصريحاته – ثلاثة أهداف جوهرية يتوخى تحقيقها في ثلاثة مراحل متتالية، هي:

  1. تركيز جهوده الحالية على "الاستماع إلى جميع الأطراف"، والإحاطة بتفاصيل الأزمة اليمنية.
  2. العمل على "وقف الحرب" واستئناف مفاوضات السلام المباشرة، وفي هذا السياق يريد غريفيث العودة إلى مرحلة الكويت واستئناف ما فشل فيه سلفه ولد الشيخ، وهو يرى أن الحل السياسي لا يزال متاحاً في اليمن من خلال الخطوط العريضة التالية: إنهاء القتال، وسحب القوات وتسليم الأسلحة الثقيلة والمواقع الرئيسية، وتشكيل حكومة تتسم بالشمولية وتضم جميع الأطراف.
  3. متابعة "عملية بناء السلام"، واستئناف مسار الانتقال الديمقراطي الذي فشل فيه المبعوث الأسبق جمال بنعمر، وهي المرحلة الأشد تعقيداً على حد توصيف غريفيث، لكنه يرى أن مخرجات الحوار الوطني ما زالت صالحه لهذه المهمة.

وفي جولته الأولى، حاول غريفيث تطبيق مبدأ "اليمنيين أولاً" الذي تحدث عنه في إحاطته الأولى. ودشَّن جهود وساطته في مسارين متوازيين أحدهما إنساني والآخر سياسي.

وإجمالاً، فقد كانت جولة غريفيث الأولى بحد ذاتها مؤشراً مهماً على تحرك مياه العملية السياسية الراكدة لقرابة العامين، ذلك أن الرجل - بحسب مصادر دبلوماسية مطلعة - يحظى بدعم أمريكي وأوروبي يفوق بمراحل ما كان يحظى به سلفه. ومع ذلك، فإن لقاءاته لم تُؤدِّ بعد إلى خفض منسوب التصعيد العسكري من قبل أطراف الصراع، لاسيما على صعيد استمرار إطلاق الحوثيين الصواريخ الباليستية التي تستهدف العمق السعودي، أو على صعيد تواصل عمليات القصف الجوي لطيران التحالف الذي أوْدى مؤخراً بحياة رئيس المجلس السياسي الأعلى التابع لجماعة الحوثي، صالح الصماد، وهو أمرٌ يُتوقع أن يُلقي بظلاله على مساعي الوساطة الأممية.

محددات نجاح/فشل وساطة "غريفيث"

نظرياً، يبدو أن المبعوث الأممي الجديد يتوافر على عناصر النجاح اللازمة للمُضي قدماً على سكة الحل السياسي للأزمة اليمنية، لكن إكمال الطريق مرهون بما يحيطه من ظروف موضوعية. ويمكن قياس فرص وساطة "غريفيث" الأممية من خلال ثلاث محددات رئيسة:

1. حسابات الأطراف السياسية إزاء تجدد النشاط الأممي

  • الانقلابيون: استفاد الحوثيون من زيارة غريفيث وتجدُّد نشاط الوساطة الأممية؛ فذلك يمنحهم اعترافاً ضمنياً بسلطتهم الواقعية وترسُّخ وضعهم كقوة أساسية بعد تصفية حليفهم السابق صالح، كما أنه يتيح لهم قناة قد تكون أكثر فعالية لتجديد الضغوط على الرياض، ويُمكنهم من الدفع أكثر نحو تبني المبعوث الأممي مقاربة جديدة تُنهي توصيفهم السياسي كـ"متمردين"، وتعترف بهم طرفاً شرعياً في المعادلة السياسية. لذا، فإن عبد الملك الحوثي شخصياً لم يتوان عن التحدث مباشرة مع غريفيث، في لقاء هو الأول من نوعه منذ اندلاع الحرب.
  • الشرعية والتحالف العربي: بينما يُظهر التحالف العربي والشرعية اليمنية ترحيبهما باستئناف الجهود الأممية لملء الوقت الفائض، فإنهم لا ينفكون يؤكدون في الوقت نفسه ضرورة الالتزام بصيغة الحوار الثنائي بين "الشرعية-الانقلاب". ومع أنه تعذَّر على "المجلس الانتقالي الجنوبي" لقاء غريفيث في عدن، إلا أنه استطاع بلقائه به في أبوظبي انتزاع اعتراف أممي بكونه لاعباً أساسياً في المشهد السياسي اليمني، وهو ما أكَّده غريفيث أمام مجلس الأمن حينما قال إنه "لن يكون هناك سلام ما لم تُسمَع أصوات الجنوبيين، ونتأكد من تضمينها في الترتيبات السياسية لإنهاء الحرب".

2. تَغيُّر مسار الأحداث محلياً وإقليمياً، وبحسب المبعوث الأممي، فإن الجميع "بحاجة عاجلة، وبنحوٍ إبداعي، لإيجاد سُبلٍ لتقليل فرص الأحداث التي قد تُغيّر قواعد المسار وتُحيدها" عن طريق الحل، ولذلك تظل الوساطة الأممية محكومة بتجدد الصراع في مستويات منها:

  • دخول التصعيد العسكري بين الحوثيين والشرعية والتحالف الداعم لها مرحلة جديدة تتمثل بانطلاق معركة الحديدة.
  • ارتفاع حدة الصراع الإقليمي بين الرياض وطهران، واندفاع الأولى نحو استثمار القرار الأمريكي بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران من خلال حسم الصراع عسكرياً ضد حلفائها في اليمن، وسعي طهران للرد على عزلتها من خلال تكثيف وجودها في اليمن واستنزاف السعودية بشكل أكبر.

3. تطوير رؤية الحوار وتجديد مرجعيات الحل، ومن المفترض بالمبعوث الأممي - كما تعهد أمام مجلس الأمن - أن يقدم خلال شهرين "إطار عمل" لإجراء المفاوضات، وما لم تستوعب هذه المفاوضات حقيقة الصراع المتعدد في اليمن، وتحتوي كل الفاعلين السياسيين، فإنها ستكون محدودة التأثير والنجاح.

السيناريوهات المتوقعة

بالنظر إلى ما يحيط الوساطة الأممية من ظروف موضوعية، فإنها قد لا تخرج مُستقبلاً عن أحد ثلاثة سيناريوهات:

السيناريو الأول: إعادة تنشيط جولات الوساطة، أي إبقاء الفاعلية السياسية للمبعوث الأممي عند المستوى الذي بدأ فيه مهامه، والعمل من خلال هذا المستوى على تحقيق هدفه الأول بالاستماع إلى الجميع وبناء التصورات السياسية الكافية عن طبيعة الأزمة السياسية والشكل الأمثل للحوار، وفي هذه الحالة ستتركز أطروحات غريفيث على الجانبين السياسي والإنساني. ويعتمد نجاح هذا السيناريو واستمراريته على عاملين: الأول ثبات مسار الأزمة عند مستواها الحالي؛ والثاني مقدار المكاسب التي سينطوي عليها لقاء المبعوث الأممي مع فرقاء الصراع.

السيناريو الثاني: إجراء جولة جديدة من المفاوضات بين الأطراف، ويعني ذلك نجاح المبعوث الأممي في دفع الأزمة اليمنية من حالة المراوحة إلى سكة الحل السياسي، وبالتالي انتقال الوساطة الأممية لتحقيق هدفها الثاني. ويفترض هذا السيناريو نجاح غريفيث في تقديم إطار عمل جديد للمفاوضات يستوعب جميع المتغيرات المحلية التي عجز ولد الشيخ عن مواكبتها، واقتناع جميع الفرقاء السياسيين باستئناف الحوار السياسي. والمؤكد أن مجرد تحقُّق هذا السيناريو لا يضمن الوصول إلى حل نهائي للأزمة، لكنه يضمن حدوث تهدئة مباشرة أو غير مباشرة، وستتركز الأطروحات الأممية خلالها على الجانبيين السياسي والعسكري، وسيحاول المبعوث الأممي تحويل تصوراته الأولية عن الأزمة إلى حلول عملية وتوافقية.

السيناريو الثالث: تسجيل حضور شكلي في الأزمة، أي انخفاض الفاعلية السياسية للوساطة الأممية إلى ما كانت عليه في العام 2017، واقتصار مساعيها على الجانب الإنساني متى ما دخل المجال السياسي والعسكري في حالة سيولة يعجز غريفيث عن مواكبتها.

وإجمالاً، فإن مستقبل الوساطة الأممية يتراوح على المديين القريب والمتوسط بين السيناريوهين الأول والثالث؛ فقوة الدفع الذاتية التي بدأ بها غريفيث جولته تُفيد بقدرته على المواصلة على ذات النسق، وهو بأمس الحاجة اليوم إلى الانتقال من بناء التصورات الأولية إلى اقتراح التوافقات المبدئية لترتيب أرضية مناسبة للتفاوض، كما أنه سيكتسب مزيداً من الثقة والمصداقية في حال أنجز تسويات إنسانية وإجراءات بناء ثقة.

ومع ذلك، فإن الظروف المحيطة بجهوده محلياً وإقليمياً تُهدِّد كل مساعيه السابقة، فكلما تجددت شرارة النزاع في اليمن أزيحت أدوار المبعوث الأممي إلى الهامش. ونشوب أي مواجهات واسعة النطاق يعني انهيار جهود الوساطة، لاسيما إنْ فرضت هذه المواجهات واقعاً سياسياً وعسكرياً مغايراً. ويظل ما سيقدمه غريفيث في غضون شهرين من مقاربة جديدة للتفاوض أمراً مهماً، فهذه المقاربة ستلعب دوراً محورياً في تحديد فرص نجاحه المبعوث الأممي من عدمه مستقبلاً.

 

أحدث الإيجازات